الاستعمال الهندسي للدائرة في عمارة مدينة القدس

د. علي فايز الغول*

الملـــخص:

إن استعمال الشكل الدائري واضح في تنفيذ الفكرة التصميمية وفي تشكيل بناء قبة الصخرة، أقواسها وزخارفها، كما أنها تمثل أسلوبا أموياً ظهر في مبانيهم التاريخية الأخرى من بيوت وقصور وقلاع ومساجد. ويشكل بناء قبة الصخرة متحفاً فنياً أموياً، كما واصبح مدرسة معمارية عند الأجيال الإسلامية المتعاقبة بما يحويه من أفكار ذات أصالة فنية عمرانية واضحة في مجال التشكيل الفراغي الداخلي والكتلي والخارجي، واستعمال المؤثرات الزخرفية المختلفة بألوان قوية وجرأة نادرة تنم عن رقي في الذوق والتشكيل، وتضفي على المكان روعة بصرية ذات تأثيرات حسية ونفسية قوية. هذه المدرسة الفنية أكدت على الخصائص الجمالية المعمارية واللغة الفنية، ومنها الخاصية المكانية، وأثر البيئة الروحية والنفسية عند المعمارييين والفنانين، نقلوا منها وحافظوا على أسرارها الجمالية الرائعة، فكانت انطلاقة ذات مفردات معمارية لها من الاصالة والتميز الشيء الكثير. فشهد المكان نشاطاً عمرانياً وفنياً ملموساً إبان الفترة العباسية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، كل مدخل طابعه الخاص بما ينسجم والبناء والمحيط العمراني ومتأثر باللغة المعمارية للمكان حتى وقتنا الحاضر. يبرز عنصر الدائرة في عمائر بيت المقدس عموماً و في الطراز المملوكي خاصة حيث تشكل الدائرة كياناً مستقلاً في العناصر والتكوينات المعمارية: في القباب وواجهات الأبنية وفتحاتها كالأبواب و الشبابيك والشرفات أو الوحدات الزخرفية المجسمة والمسطحة.

وهذه الدراسة تكشف عن أحد الأسرار التي اعتمدت عليها الفنون المعمارية والزخرفية العربية والتي تم استيداعها في مدينة القدس، فأضافت اليها قدسية عربية بالاضافة الى قدسيتها الاسلامية وعليه يجب الحفاظ عليها وعلى أسرارها الفنية.

 

 

 

 

 

 

 

 

_______________________________________________________________________________________

* استاذ مساعد في قسم العمارة في كلية الهندسة والتكنولوجيا في الجامعة الأردنية.

1. الحس الهندسي في الفكر العربي و الاسلامي:

حافظت العمارة الإسلامية على البعد الإنساني في مبانيها شكلاً وفكراً ومضموناً، كما أنها وفرت للإنسان الإحساس الفعلي بالأمن والسكينة والسلام، والفصل بين حياة وصخب الشارع في الخارج المحيط وبين الحياة العائلية في الداخل وتوفير الخصوصية والتمتع بالفراغ الداخلي، واستعملت الفنون للتهيئة لبيئة إنسانية يتفاعل فيها الإنسان حسياً ونفسياً (Grabar,1983). إن العمارة الاسلامية هي مرجعية هامة تعرض مفهوم الفن الإسلامي (قاجه،1985). والزخرفة في العمارة الإسلامية هي أساسية في التشكيل بحيث يتم فيها التركيز على الوحدة والترابط معاً. وقد اختلفت فنون الزخرفة وتنوعت فكان منها الزخارف الهندسية والنباتية والرقش العربي وفنون الكتابة بالخط العربي وأساليبه المتنوعة، وذلك في مسطحات أو بثلاثة أبعاد على شكل عناصر معمارية لإبراز جمالياتها كالمقرنصات؛ التي تعتبر قمة الحركة في تجسيد فنون الزخرفة المعمارية.

ولم يقتصر استعمال تلك الفنون تحقيقاً للقيم الجمالية أو لإبراز اللون وتأثيره الحسي والنفسي فحسب؛ بل كانت لأداء وظيفي هام من اجل عمارة إنسانية ومن هنا ينشأ التوافق بين الشكل والمضمون في روعة فن الزخرفة الإسلامية. كما أن الزخرفة الهندسية والنباتية في الفن الإسلامي ذات قيم ثقافية تبحث في الطبيعة الإنسانية والفكر (Ardalan,1979)، فهي قاعدة الحقيقة الخفية، يقصد بها الفنان المصمم (المعماري)، بأن يوحي للإنسان مسرحاً ينقله من خلاله من الواقع ليرقى بالنفس في عالم من التفكر والروحانية. والكتابة بمضامينها من آيات قرآنية أو أشعار صوفية، فإنها تعبير رائع يجسد قيمة الكلمة، ويقود الفكر عند المؤمن ليتعلق بالخالق سبحانه وتعالى، وهو الذي يجزيه على عمله. وقد جاء في الكتاب الحكيم قوله تعالى:"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" (التوبة،آية 105).وكذلك قوله تعالى:"انا لا نضيع أجر من أحسن عملا" (الكهف،آية30).

تتمتع غالبية البلاد العربية بعنصر الاتساع والأضاءه، وتسود معظم أراضيها كثبان رملية وهضاب مختلفة الارتفاع وارض خصبة نضرة. شمسها ساطعة، وقمرها واضح. الإنسان فيها حر بفكره، يراقب ويفكر تحت سماء صافية. كل تلك الظواهر تتمتع بسمات الشكل الدائري: الشمس فيها دائرية، وكذلك القمر؛ فهو قوس الهلال يتنامى، والنخيل والجمل وسنامه وعنقه. والإنسان بمظاهر عناصر جسده الدائري والكروية. فالدائرة عنصر أساسي في تكوين دائرة الإنسان العربي تظهر في التكوين الفكري؛ يتوسط شيخ العشيرة، ويتحولق حوله أفراد العشيرة، وتلتف العشائر بمجموعها حول القبيلة في الأفراح تتشكل حلقات الرقص الشعبي وتقام حلقات الدبكة والسامر، ولعل قمة الإحاطة والتشكل الدائري والتمحور يتشكل عند الطواف حول الكعبة، فهي فكر وروحانية متسامية في صلب الفكر الإنساني المسلم.

ظهر القوس الدائري في عمارة بلاد الرافدين، وكان عنصر إنشاء في البناء، واصبح يستعمل عنصر تشكيل معماري وإنشائي في الحضارات الأخرى. والدائرة من الأشكال الهندسية التي لها أهمية خاصة في التكوينات الفنية الساسانية والبيزنطية(محمد حسن،1948)، وترقى الدائرة إلى الكمال في التشكيل الفراغي المسطح ذو البعدين، وهي نقطة الانطلاق في تكوين وحدات من التشكيلات الزخرفية المتكاملة التي تتوافق مع مضمون فنون العمارة الإسلامية (Boolaky,1983).

وتستنبط شبكات من نظام متكامل من الدوائر، وهذا النظام هو خطوط عمل تشكل قاعدة انطلاق الأعمال الزخرفية، وتبني على أساسها جميع العلاقات بين الأشكال المولدة وتحدد شبكة الخطوط هذه تلك العلاقات التي تكون مرجعية في التصميم وتسمى الشبكات التحتية المنظمة ومنها الأطباق النجمية (عكاشة،1984)، هذه الشبكات في أصولها دائرية، ومن الشبكة الدائرية يمكننا استنباط شبكات من الأشكال المربعة (Himmo,1995) والأشكال المثلثة ومولداتها كالشكل السداسي(Yaghan,1988).

ولعل استعمال البيكارين في آلية تشكيل الفن العربي ، فتح أبوابا من الإبداع أمام الفنان ذات أبعاد تطبيقية معمقة(بهنسي،1989). فقد استعمل الفرجار في تنفيذ رسومات تصميم المنشآت الكبرىكملوية سامراء والقصور الأموية ، والمساجد والمقامات(El-Said,1979) حيث يتم التصميم المعماري وتوزيع الفراغات إلى أساس المربع داخل الدائرة(شيرزاد،1985). وتعتبر قبة الصخرة أول تشكيل معماري ثماني يعتمد على تداخل مربعين ضمن دائرة واحدة (بهنسي،1989) (شكل رقم 1).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(شكل رقم 1)

تستعمل القبوه عادة كأسلوب هندسي معماري لمعالجة السقف في البلاد التي تخلو من الأخشاب. والقبوه استعملت في بلاد الرافدين ثم استعملت في وادي النيل، ثم انتقلت الى الحضارة الاترورية والذين يعتقد أنهم أتوا من الشرق الى أواسط ايطاليا فنقلوا استعمال القوس الى بلاد الرومان (كامل،1975). اذ يذكر الدكتور كامل ماهر أن "السقف المدبب أمر لم يعرفه الاغريق، كما لم يحاولوا مطلقاً اقامة أقواس في معابدهم أو مبانيهم، وهما أمران برع فيهما البابليون والاشوريون، ومنهما انتقلت هذه الطريقة في البناء الى اثروريا متخطية في طريقها المصريين واليونانيين، ثم تعلم الرومان فكرة القوس من جيرانهم وأصبحت بمرور الوقت علماً على فن العمارة الروماني… ومن هنا انتشرت في هذه الجهات طريقة الأبنية ذات الأسقف المقوسة أو المدببة".

في الأصل كانت تبنى القبة على مخطط دائري. وكانت الثورة المعمارية في العصر البيزنطي حين استطاع المهندس البيزنطي الشرقي من بناء قبة على مخطط رباعي، وهكذا بنيت كنيسة اّيا صوفيا عام 532 ميلادية والتي حولت الى جامع في زمن الدولة العثمانية بعد فتح القسطنطينية ثم حولت الى متحف بعد الحرب العالمية الأولى.

الا ان قبة الصخرة التي انشئت عام 72هـ/691م، انما بنيت على قاعدة دائرية تستطيل الى أعلى وبني حولها بناء مثمن. فبناء قبة الصخرة هو بناء دائري من الداخل ويحيط به بناء مضلع (ثماني) أقرب الى الدائرة منه الى المضلع اذا قيس بالمقياس الانساني –فان الانسان الذي يتجول حوله أو داخله فانه بقصد الاحساس بالاضلاع ولا يستوعب الا الاحساس الدائري. (شكل رقم 2) وكذلك نجد أن قبة السلسلة المجاورة لقبة الصخرة (Gautier,1982) بنيت على قاعدة سداسية ثم بني حولها بناء اخر على قاعدة مضلع أثنا عشر (قبة السلسلة) (شكل رقم 3). ويوجد في الحرم القدسي عدة قباب صغيرة ذات قاعدة مستديرة. أما المسجد الأقصى فان قبته مبنية على قاعدة مربعة على منوال الأسلوب البيزنطي والذي انتشر في العمارة العثمانية مؤخراً.

 

 

 

 

 

 

 

 

(شكل رقم 2)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(شكل رقم 3)

2. الأصول الفنية لعمارة القدس:

مدينة القدس غنية بعماراتها التي تمت أشادتها في شتى العصور التاريخية التي مرت بالمدينة، ومنها؛ العمارة الإسلامية. وأهمها ذلك العمران الذي يشكل البيئة العمرانية المحيطة بالحرم المقدسي والذي يعتبر القاعدة التاريخية للعمارة الإسلامية في بيت المقدس. أن صلة العرب بالقدس لم تبدأ بالاسلام كما يظن، وانما هي مدينة عربية المنشأ(Natsheh,1989)، فقد سكن اليبوسيون مدينة القدس منذ أقدم العصور، وهم من قبيلة يبوس التي تنحدر من الكنعانيين، والكنعانيون فرع من الساميين الذين نزحوا من الجزيرة العربية. وقد بنيت المدينة حوالي 3000 ق.م. ويجدر الاشارة والتذكير هنا أن هذا التاريخ هو بداية تسجيل التاريخ اذ أن اختراع الكتابة قد تم في 3500 ق.م(عفيف عبد الرحمن،1983) (سليمان الشيخ،1987). وهذا يدل على عمق القدس في التاريخ وتأصيل عروبتها.

أصبح العرب بعد الفتح الاسلامي مباشرة سادة البلاد وسيطر الذوق العربي على كافة مظاهر الحياة الثقافية والاجتماعية والمعيشية، وشعر الامويون بالحاجة الى أن يقيموا عمائر تسيطر على مظاهر العمران في البلاد التي فرضوا سيطرتهم عليها. والقدس هي الاهم، فكانت قبة الصخرة المشرفة وما تضمنته من فن العمارة والزخرفة، إضافة الى المسجد الاموي في دمشق والقصور الصحراوية، وقصر هشام في اريحا (شكل رقم 4). ويصف الدكتور فواز طوقان في كتابه الحائر تلك العمائر والقصور الصحراوية ويحللها ويظهر ما فيها من مفاهيم ذات معانٍ اجتماعية وثقافية بالاضافة الى الوصف الهندسي والفني تعطي برهاناً قوياً لعروبة هذه العمارة (طوقان،1979) والتي تمثل الطراز الاموي الذي يعد اول الطرز العربية / الاسلامية (محمدحسن،1948). وأول المدارس الفنية الاسلامية التي تشكلت كمدرسة انتقالية من الفنون البيزنطية الى مدرسة فن العمارة العباسي، علماً بأن الطراز الاموي هو نقلة نوعية من الطرز المحلية، ولم يخل ذلك الطراز من الكثير من اللوحات التشكيلية الزخرفية والمعمارية الساسانية(محمد حسن،1948)، بل ونجد فيه الكثير من مدرسة الفن والعمارة الرومانية(قاجه،1985)، والفن القبطي المصري(مرزوق،1952)، ذلك أن جغرافية فلسطين ووضع مدينة القدس يتركها مفتوحة امام انتشار تلك الحضارات والتأثر بها. علماً بأن الطراز البيزنطي هو في منبته من أصل شرقي عربي انتشر في سوريا وعلى ضفاف الفرات وتحديداً في بلدة الصالحية (دورا اوربوس) أي Dura-Europos بالقرب من الميادين، حيث تحتوي على أقدم كنيسة مسيحية ذات قيمة دراسية في اصول فن المعمار المسيحي وفيها رسوم جدارية ذات قيمة فنية ويرجع تاريخها الى القرن الثالث الميلادي (Gardner,1980).

لقد كانت الحضارة العربية قبل الاسلام متشابهة موحدة: ظهر ذلك واضحاً، في هذه الحضارات التي لم تكن ثمة علاقات مستمرة وثابتة بينها ، ومع ذلك فإن أصالتها كانت واحدة ، ولكن بظاهرها كانت قد استمدت من الطرز الكلاسيكية التي كان له تأثير ساحر على الحضارات التي عاصرتها كالطرز الاشورية والفرعونية والاغريقية والرومانية ويظهر ذلك في مدينة البتراء، ثم ظهر هذا التأثير في بدايات الفن الاسلامي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(شكل رقم 4)

" فالفن الاسلامي ليس من الضروري أن يتحدث عن الاسلام انما هو الفن الذي يرسم صورة الوجود في زاوية التصور الاسلامي لهذا الوجود "(الرفاعي،1973) كما أن الفن الاسلامي "يعني جميع الجهود التي بذلها العالم الاسلامي خلال عشرة قرون على الأقل في التعبير عن الجمال وصنع الاشياء الفنية " (الرفاعي،1973).

أما الأستاذ محمد قطب فيقول (قطب،1983) : " الفن الاسلامي هو ليس بالضرورة الفن الذي يتحدث عن الاسلام وهو ليس الوعظ المباشر والحث على اتباع الفضائل، انما هو الفن الذي يرسم صورة الوجود في زاوية التصور الاسلامي لهذا الوجود؛ هو التعبير الجميل عن الكون والحياة والانسان من خلال تصور الاسلام للكون والحياة والانسان. هو الفن الذي يهيئ اللقاء الكامل بين الجمال والحق . فالجمال حقيقة في هذا الكون ، والحق هو ذروة الجمال. ومن هنا يلتقيان في القمة التي تلتقي عندها كل حقائق الوجود".

فالعربي المسلم في العصر الأموي كان عربياً جاهلياً في نشأته وثقافته وكان على معرفة ودراية بالفنون التي سادت قبل الاسلام ولربما قد شارك فيها فلم يكن بحاجة الى أن يتعلمها ، بل الى أن يغيرها حسب التغيرات والتطورات التي أصابته حين أصبح مسلماً له نظام جديد في الفكر والمسلك. حتى أنه في هذه المرحلة من الناحية الثقافية كان يعتبر أنه مر بمرحلة الترجمة والاقتباس وتأسيس القاموس الفني الاسلامي العربي وأخذه من الحضارات السابقة والتراث السابق واللغات الفنية السابقة فتمت عملية الاستعارة والتحويل للغة فنية ومعمارية لها طابعها المميز كعقيدة وفلسفة يكون العرب كأصحاب دعوة و يقوم أصحاب لغة القرآن بتفسير هذه الرسالة. فأصبح الفن العربي الاسلامي ذو شخصية واحدة رغم تعدد الأماكن والأزمنة. لأنه فن ديني تأثر بروح الاسلام وأعطى الفنان المسلم حرية التعبير وحرية اختيار الموضوع في اطار النظام الاسلامي العام والبعد عن العبث به والبحث عن النفعية لذلك لم يلجأ الى تصوير المواضيع الدينية كما حصل مع الدين المسيحي لأن لغة القرآن كانت فصيحة وبليغة واعجازية فأنجز المباني المعمارية بأشكال جميلة وسخر لها الفنون الجميلة جميعها في خدمتها فكانت الزخرفة، والرقش، والكتابة تتكاثف مع العمارة في وحدة واحدة تنجز المطلوب منها من جمال و وظيفة فكان الفن عبادة وتسبيح. وخير شاهد على ذلك هو بناء قبة الصخرة في القدس الشريف الذي بناه الخليفة عبد الملك بن مروان بين 685- 691م (التل،1983).

3. بناء قبة الصخرة المشرفة:

ان قبة الصخرة المشرفة في القدس هي رمز للمدينة ويتناسب مع قدسيتها، وتعبيراً عن الأمن والاستقرار الذي شهدته الخلافة الأموية، ويشجع على استقطاب المسلمين للاقامة والزيارة ولتقديس الحج، بصفتها أولى القبلتين وثالث الحرمين.

وقد اشترك في بنائها صناع من العرب والروم والبيزنطيين باشراف اثنين هما: رجاء بن حياة الكندي، أحد علماء الاسلام من بيسان. و يزيد بن سلام من القدس(التل،1983). وروعي في تصميم البناء وانشائه في مدينة القدس اتجاهات فلسفية لها أبعادها التي تتمثل في خصائص اختيار موقع البناء الجغرافي العام في مدينة القدس(نجم،1983)، وجغرافية الموقع الخاص للساحة المحيطة بالحرم الشريف والمسجد الأقصى، وموقع البناء المباشر فوق الصخرة الشريفة، منطلق معراج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى السماء.

 

 

 

 

 

 

 

(شكل رقم 5)

 

 

 

 

 

 

 

 

(شكل رقم 6)

إن تشكيل البناء الثماني والقبة فيه مركزية يمثل أسلوباً تشكيلياً وعمائرياً كان معروفاً، وتطبيقاً تشكيلياً شائعاً في سوريا (نجم،1983)، ويرتفع عنق القبة التي ترتكز على امتداد القواعد الأربعة والتي تشكل في مجموعها قاعدة تلامس انطلاقة القبة، وهو أسلوب تشكيلي معماري روماني (والتي انتشرت في العالم البيزنطي، ومن أشهر المقارنات مع بناء قبة الصخرة هو SanVitale في رفينا Ravenna (شكل رقم 5) في ايطاليا (Papadopoulo,1979) وغيرها(Maldonado,1975) . وبناء القبة هو رمز يدعو الى التركيز على محتوى هام له مكانته الوجدانية، فهو من الأساليب العمرانية والرمزية التي كانت معروفة في العمارة المحلية في سوريا (نجم،1983). وقد ظهرت مبان عدة تقلد في عمارتها قبة الصخرة منها قبة الصليبية Qubbat al-Sulaybiyya في مدينة سامراء (Gotze,1996) ، (شكل رقم 6).

4. فنون القدس ما بعد بناء قبة الصخرة:

لما آلت الخلافة الى العباسيين سنة 132 هـ / 750 م نقلوا مقر الحكم الى العراق، وأصبحت السيادة في العالم الاسلامي للعراق وايران، واتخذ الفن الاسلامي اتجاهاً جديداً ، فقام الطراز العباسي الذي غلبت عليه الأساليب الفنية الفارسية (محمدحسن،1948)، وبلغ هذا الطراز عظمته في مدينة سامراء في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) ، ولكن دب فيه الضعف حين وهن سلطان الخلافة العباسية، وبدأت الأقاليم الاسلامية المختلفة في الاستقلال عنها، وقامت في أنحاء العالم الاسلامي دول مستقلة، وأدى هذا الاستقلال السياسي الى استقلال فني ، فنمت منذ القرن الخامس الهجري طرز فنية مستقلة في شتى أنحاء الدولة الاسلامية.

الى ان انتهى المطاف بالفن الاسلامي الى أن يتوزع في خمسة مناطق جغرافية بخمسة طرز فنية مستقلة ، لكن يربط بينها مبدأ من الوحدة في التعبير الفني بالرغم من اختلافات الأذواق المحلية وهذه الطرز هي:

1- الطراز السوري المصري ( والى هذا الطراز ينتمي موضوع بحثنا، وقد تبلور في العهد المملوكي). 2- الطراز التركي السلجوقي. 3- الطراز الفارسي. 4-طراز الهندي الباكستاني. 5-وطراز الأندلس وشمال افريقيا . (Boolaky,1989)

ان الطرز الفنيه الإسلامية في عصر الدويلات ، ظهرت لأسباب سياسية بسبب إهتمام الخلفاء والولاة بمنشآتهم لكي تضاهي غيرها من المنشآت . يقول د. عفيف بهنسي في الوحدة والتنوع في الفن الإسلامي (بهنسي،العمارة العربية): "على أن تنوع الفن الذي إبتدأ منذ القرون الأولى التي إستقر فيها العرب والإسلام في أصقاع جديده كانت ذات تقاليد مستورده… ومع ذلك فإن الفن الذي ظهر مع الفاتحين الأوائل إعتمد الآثار القائمه منطلقاً أساسياً، ويتنامى هذا التنوع ويزداد وهو لا يقتصر على شكل العمارة أو زخارفها ، بل أنه يمتد الى جميع فنون التشكيل أو التطبيق". يقول د. زكي محمد حسن(محمدحسن،1948): "وهكذا يتحول الطراز من رغبة عند الملوك الى ثقافة لدى الشعوب. وقد رأينا أن هذه الطرز تنسب الى شتى الدول التي بسطت سلطانها على أنحاء العالم الاسلامي، أو الى بعض الأقاليم الاسلامية نفسها. لكن علينا أن نتذكر دائما اذا كان من الممكن معرفة التاريخ الذي بدأت فيه الأسر الحاكمة أو زال سلطانها فاننا لا نستطيع أن نعرف على وجهه التحديد تاريخ قيام أي طراز فني أو تاريخ زوالة، وذلك لان هذة الطرز تتطور فينشأ بعضها من بعض، فالفصل بينها وضعي واصطلاحي الى حد كبير. والحق أنها تتصل وينثر بعضها في بعض. فالطراز الفاطمي مثلاً لم يظهر في مصر تماما الا في الجزء الأخير من القرن الرابع الهجري، "في حين أن حكم الفاطميين في وادي النيل بدأ منذ سنة 358هـ/969 م".

ويعلل د. عفيف بهنسي ذلك بقولة (بهنسي، العمارة العربية): "ورغم تفاقم التجزئة وظهور امارات مستقلة باستمرار الا أن المدن والثغور والحواضر التي ازدهرت، استمرت على علاقاتها التجارية، تستورد وتوزع على الرغم من ظروف الاضطراب والحروب التي كانت قائمة بين الامارات المختلفة، وحتى العلاقات الصعبة التي كانت بين الشرق العباسي والغرب الأموي أو البربري لم تمنع من استمرار التبادلات، فالعقود المفصصة التي ظهرت في جامع قرطبة منذ عهد الخلافة 946م كانت قد وجدت أصولها في قصر الاخيضر العباسي وفي منشات الرقة وسامراء، وظهرت في زخارف محراب القيروان، وقد شارك في انشاء مسجد ابن طولون عراقييون من سامراء,وأسهم أندلسيون وشرقيون في بناء جوامع المرابطين والموحدين، وانتقل المعماريون التونسيون الى مصر الفاطمية وأسهموا في عمارتها، كما أسهم مشرقيون في بناء جامع سيدي عقبة في القيروان". وهذا القول ينطبق مع ريتشارد اتنجهاوزن الذي يقول (Ettinghausen,1987) : "كلما تحدثتا عن التراث الفريد الذي خلفتة الحضارة الاسلامية للعالم في صورة فنونها المتنوعة، فاننا نسلم بأن هذا التراث من الناحية الجمالية يكون وحدة شاملة متصلة اجزاؤها بعضها ببعض".

4-1 العصر الفــاطمي:

في نهاية القرن العاشر الميلادي كانت هنالك ثلاث خلافات اسلامية: واحدة في بغداد والثانية في الأندلس والثالثة في القاهرة وهي الفاطمية (969/1171م) التي امتد نفوذها الى فلسطين والشام بفضل استتباب الأمن واستقلال البلاد وما سادها من رخاء وتسامح ديني (محمد حسن،1948).

وهنا نجد كذلك كما لاحظنا في العصور والطرز السابقة أن العماره والفنون المعماريه ( التشكيلية ) الأخرى كانت متآلفه. والفاطميون كغيرهم إهتموا بالقدس وقبة الصخره كما يذكر ذلك د. صفوان التل (التل،1983)، لقد شهدت القبه عدة إصلاحات ، نتيجة للأحداث الطبيعية التي مرت بها، فمثلاً تم تجديدها عام 1022 م في الفترة الفاطميه، وحافظ الفاطميون على اللغه المعمارية الشاميه كالعقود الدائرية في أبواب سور القاهرة الذي بنوه في 969 م ثم جددوه في 1087 م. وكذلك في جامع الاقمر بالقاهره 1125 م ، والذي كانت واجهته تحتوي على مدخل بقوس مدبب وبجانبه سبيل بقوس دائري وفوقه "شمسه(Ettinghausen,1987)".

4-2 العصر الأيوبي:

وبقيت القدس قرابة تسعين عاماً عاصمة لمملكة صليبية، كانت لها الزعامة على الوجود الصليبي في منطقة الشرق الادنى بأكملها وحرص حكامها على محو شعائر الاسلام من المدينة المقدسة (عاشور،1983)؛ فحولوا قبة الصخرة الى كنيسة واتخذوا من المسجد الاقصى مركزاً لحكومتهم ثم قصراً لطائفة فرسان الهيكل.

انتصر صلاح الدين الأيوبي على الصلييبيين في معركة حطين سنة 1187م ثم دخل القدس فاتحاً ومحرراً، ومؤسساً للدولة الايوبية التي امتدت من مصر الى الشام ودامت حتى سنة 1247 ومع دخول صلاح الدين الى مدينة القدس، نجد أن إهتمامه الأول انصب في إعادة الأماكن المقدسه الى حالتها الإسلامية وكان على رأس هذه المباني بناء قبة الصخره . ثم منبر صلاح الدين الشهير.

كان العصر الأيوبي ما يزال عصر قلاقل وحروب مستمره بين ملوك بني أيوب فيما بينهم وبين الصليبيين، وظلت القدس كالكرة تتلاقفها أيدي المسلمين والصليبيين حتى إستردها المسلمون نهائياً عام 1244 م (عاشور،1983). لكن مع ذلك فإن حكم الدولة الأيوبيه يعتبر عصر إنتقال من الطراز الفاطمي الى الطراز المملوكي الذي أزدهر في مصر والشام.

ومن مميزات الفن الأيوبي:

1. أن بها تأثيرات من الزخارف السلجوقية وخاصة في الزخارف المحفوره على التحف الخشبية المصنوعه في الشام ، ويظهر أنها تأثرت بأعمال الجص الذي اشتهرت بها مدينة سامراء حيث أن طراز مدينة سامراء إنتشر في جميع أنحاء العالم الإسلامي. يقول زكي محمد حسن (محمد حسن،1948): "عرفنا أن كثيراً من صناع التحف المعدنية هاجر من الموصل الى مصر والشام في القرن السابع الهجري (القرن الثالث عشر ميلادي). وقد إشتغل هؤلاءالفنانين للأمراء الأيوبيين في دمشق وحلب والقاهرة. وطبيعي أنهم نقلوا الأساليب الفنية التي ألفوها في بلاد الجزيره ". كما أن صناعة الجص قد إزدهرت في هذا العصر (Gautier,1982).

2. من المميزات الفنية كذلك للعصر الأيوبي هو ظهور"خط الثلث" المنفذ في أغلب الأحيان على مهاد زخرفي الى جانب الخط الكوفي المزهر، كما ندرت رسوم الكائنات الحية التي كانت هي والخط الكوفي شائعه في العهد الفاطمي ليبدع الفنانون بالزخارف النباتيه والهندسية ولا سيما على التحف الخشبيه. إن صناعة الجص في سامراء اعتمدت على اسلوب الرقش العربي الدائري، وأن خط الثلث يعتمد في شبكته التحتيه على الدائره وهذه ملاحظات يجدر بنا أن نقف عندها متأملين كي نستطيع ن نحلل مميزات الطراز الفني الأيوبي وتأثره بالبيئة الادراكية لشمال الجزيرة العربية وتراثها.

4-3 عصر الممـــاليــك:

في سنة 1229 دخلت القوات المغوليه بلاد المشرق الإسلامي تحت قيادة جنكيز خان، وظهرت في هذه الفتره دولة المماليك، وكان ذلك سنة1252 ، وقد حقق هؤلاء إنهاء السيطره الفرنجيه على فلسطين والقدس، وقام الظاهر بيبرس بهذه المهمه بشجاعه، كما تمكن من إقتلاع نفوذ المغول من فلسطين عام 1260.

ومهما يكن من أمر ، فإن إنتصار المماليك على التتار في عين جالوت سنة 1260 أنقذ بيت المقدس -بل الشام كلها- من خطر داهم بعيد المدى ... وهكذا عادت وحدة مصر والشام مرة أخرى في ظل حكومة مركزية قوية ... مما أشاع قدراً من الإستقرار لأول مرة منذ أمد طويل في بلاد الشام بوجه عام وبيت المقدس بوجه خاص. لم يدخر سلاطين المماليك وسعاً في العنايه بالحرم القدسي الشريف وقبة الصخره المباركه، سواء بالإضافة أو الإصلاح أو الترميم. هذا فضلاً عن عنايتهم الكبيره باقامة المنشآت الدينيه والعلمية والخيرية والاجتماعية في مدينة القدس.

 

 

ويمكن تلخيص خصائص الفن والعمارة المملوكية بما يلي:

  1. اصبحت المدينة وحدة حيوية تنمو وتتطور مع مراعاة الظروف السياسية، والعسكرية، والتقاليد الدينية، والاسس المعمارية والبيئية، ومراعاة الإرث التكنولوجي من اسلوب العمل والتنفيذ واختيار المواد وطرق معالجتها، والرجوع الى الماضي واختيار المناسب منه. وكانت المدن انسانية التكوين، عسكرية التركيب، اسلامية الطابع.
  2. كما ظهر التنوع والاتقان والاناقة في شتى العناصر المعمارية من واجهات ومنارات وقباب، واشتهرت لديهم الجصية والرخامية وخاصة الحجر الابلق باللونين الابيض والوردي. مثال على ذلك بناية الاشرفية والتي تشبه الى حد ما مسجد فرج بن برقوق- في القاهرة والتي بنيت عام 1409م اما الاشرفية فيعود تاريخها الى 1482 م، (شكل رقم 7).
  3.  

     

     

     

     

     

     

     

    (شكل رقم 7)

     

     

     

     

     

     

     

     

     

    (شكل رقم 8)

  4. مع ان الخطوط الافقية والعناصر العمودية والاشكال المستطيلة هي المسيطرة على الواجهات الا ان الدائرة والاقواس الدائرية ( نصف دائرة او ثلاثة ارباع الدائرة) هي التي تعطي الواجهة خفة ورشاقة. الفتحات متعددة الاشكال فمنها الفتحات الكبيرة والصغيرة والدائرية والمربعة وذات القوس الواحد او ثلاثية الاقواس كلها مجتمعة معاً تتوحد في تناغم رغم ما بينها من تباين، ويظهر ذلك في مقطع الاشرفية يتضح ان الشبكة الدائرية هي الشبكة التحتية التي اعتمدها المصمم في ايجاد المقاسات والنسب، اما الدائرة الحرة والمستقلة فتظهر احياناً في شبابيك دائرية مكتملة كما في دار الست طنشق 1388 م وتدعى "شمسه"، (انظر كتاب Mamluki Jerusalim).
  5. ان الابواب عادة عالية ومرتفعة ومفتوحة بقوس ثلاثي او مزينة بالمقرنصات كما في باب القطانين (شكل رقم 8)، اما الشبابيك فهي غالباً ما تكون شباكين بقوسين فتسمى " روحين في جسد" او شباكين بقوسين فوقهما فتحة دائرية فتدعى "شنك قمريات" او ثلاثة شبابيك متجاورة فوقها فتحتين دائرتين فوقهما فتحة ثالثة دائرية وتدعى "دست قمريات" او تدعى "شباك قندلون". كان يفضل ان لا يكون المدخل في وسط الواجهة بل في ركن منها.وكان المهندس يحرص على ابراز الواجهة وما فيها من تجاويف وحنايا عمودية طويلة تفتح فيها نوافذ وقد تنتهي في اعلاها بزخارف معمارية من المقرنصات ،كما تتجلى في اشرطة من الزخارف والكتابات وفي شرافات مسننة تتوج بها الواجهة.

4-4 العصر العثماني (1517-1917م):

على مدى أربعة قرون من الحكم العثماني فقدت بلاد الشام استقلالها وأصبح العصر التركي عصر ركود فني كما كان عصر ركود سياسي (محمد حسن،1948). فرحل عن البلاد كثير من مهرة الصناع واقتصر نشاط من بقي فيها من الفنيين على خصوصيات الفن المنزلي وممارسة وتقنية الأعمال الحرفية والقيام بأعمال صيانة الكنوز الأثرية الاسلامية في القدس الشريف والحفاظ على هذة الصروح الحضارية في مجال العمارة الاسلامية المتمثلة في المساجد والماذن، والمدارس، ودور القران، ودور الحديث، والخوانق، والترب، والرباطات، والطرق، والأسواق، والأسوار، والمصاطب، والسبل، والحمامات، وغير ذلك من معالم العمارة الاسلامية في القدس الشريف.

5. تحـــليل الدراســـــة:

لقد تعاقبت على القدس أقوام وحضارات وتناقل فيها حكام وصناع، وكل من أتاها بدأ بمسجدها تشييداً وترميماً أو تجديداً وتحويلاً حتى غدت القدس زهرة المدائن وأصبحت قبة الصخرة جوهرة الكنوز الفنية العربية والإسلامية.

 

 

 

 

 

 

 

 

(شكل رقم 9)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(شكل رقم 10)

لقد كانت هذه القبة ثم بقيت هي المعلّم الأول الرئيس لكل الفنانين والمهندسين. ولا تزال إلى يومنا.

ولما كانت قبة الصخرة تعتمد على الأشكال الدائرية والكروية حيث نجد أن عنصر الدائرة بقي فيها عنصراً حيوياً مستمراً في الأشكال الظاهرة أو في البنية الفنية التحتية ذات الشبكات الدائرية. وتعتمد البوائك المقامة على صحن القبة اعتماداً كلياً علىتكرار عنصر الدائرة ، وتعتمد القبة على عنصر الدائرة الأحادي (المركزية). أما البوائك فتعتمد على الدوائر التي تقع مراكزها على خط مستقيم (الثلاث، الأربع، الخمس)، (شكل رقم 9 وشكل رقم 10).

إن عنصر الدائرة والشبكة الدائرية بقيت تقود الفن المقدسي؛ فان حاول الفنان أن يخرج من الدائرة إلى المضلعات كالشكل الثماني في قبة الصخرة والسداسي في قبة السلسلة، إلا أن الدائرة كانت من مميزات الفن الأموي كما في قصر هشام في أريحا (انظر شكل رقم 4) وقصر عمره في البدايات الإسلامية، واستمر وترعرع في العصور الإسلامية المتأخرة.

وتمتاز مدينة القدس بأنها غنية بعمارتها من شتى العصور كما أن الحرم المقدسي يعج بالتأثيرات التاريخية كما أسلفنا. والطراز المملوكي هو آخر الطرز "العربية" وأطولها عمراً. يلعب عنصر الدائرة دوراً بارزاً في عمائر القدس عامة والطراز المملوكي خاصة، وكثيراً من الأحيان تأخذ الدائرة دوراً مستقلاً كما هو الحال في "الشمسة" أو في القباب أو في فتحات الشبابيك أو الزخارف.

وتجدر الإشارة إلى أن المباني المملوكية تشكل 50% من مجموع مباني القدس الأثرية وأن 18% هي من العصر الأيوبي و 6% من العصر الأموي و 24% هي من العصر العثماني وما تبقى 2% مجهول الهوية ويعزى إلى القرنين 18 و 19 (كما ذكرها المهندس يوسف النتشة في الندوة العالمية للفنون الإسلامية التي عقدت في استنبول عام 1983). ونرجع إلى الدكتور عفيف بهنسي في كتاب العمارة العربية الذي ذكر "أن المنشات المسيحية التي أُنشأت بعد الإسلام وحتى في زمن الاحتلال الصليبي لم تنقل طرزها من خارج البلاد، ذلك لأن السكان العرب هم الذين أنشأوا الكنائس والقلاع الصليبية، وكان أسلوب هذه المباني لا ينتسب لأي أسلوب إفرنجي معروف في ألمانيا أو إنكلترا أو فرنسا إلا بما قدر".

إن الطراز الفاطمي حافظ على اللغة المعمارية "الشامية" واستعمال مفرداتها كالعقود الدائرية ففي جامع الأقمر بالقاهرة 1125م والذي كانت واجهته تحتوي على مدخل بقوس مدبب وبجانبه سبيل بقوس دائري وفوقه فتحة دائرية تدعى "شمسه".

أما في العصر الأيوبي فقد هاجر كثير من صناع التحف من الموصل إلى مصر والشام، وطبيعي أنهم نقلوا الأساليب التي ألفوها في بلاد الجزيرة (محمد حسن،1948)، فتأثر الطراز الأيوبي بالزخارف السلجوقية، وخاصة في الزخارف المحفورة على التحف الخشبية المصنوعة في الشام، ويظهر أنها تأثرت بأعمال الجص الذي اشتهرت به مدينة سامراء، حيث أن طراز مدينة سامراء انتشر في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

وتجدر الإشارة إلى أن صناعة الجص في سامراء اعتمدت على أسلوب الرقش العربي الدائري، وأن خط الثلث الذي يعتمد على الشبكة التحتية الدائرية كان من المميزات الفنية للعهد الأيوبي.

لقد اهتم المماليك بمدينة القدس (كإحدى المدن الدينية الثلاث)، فأصبحت المدينة وحدة حيوية تنمو وتتطور مع مراعاة الظروف السياسية، والعسكرية، والتقاليد والعادات الدينية، والأسس المعمارية والبيئية، ومراعاة الإرث التكنولوجي من أسلوب العمل و التنفيذ واختيار المواد وطرق معالجتها، والرجوع إلى الماضي واختيار المناسب منه. فكانت المدينة إنسانية التكوين، عسكرية التركيب، إسلامية الطابع.

انصب اهتمام السكان في الواجهات التي تقع على الشوارع لأن أغلب مدنهم كانت عسكرية ومسورة ومكتظة. ومع أن الخطوط الأفقية والعناصر الرأسية والأشكال المستطيلة هي المسيطرة على الواجهات المملوكية، إلا أن الدائرة والأقواس الدائرية(نصف دائرة أو ثلاثة أرباع الدائرة) هي التي تعطي للواجهة خفة ورشاقة. أما الفتحات فهي متعددة الأشكال؛ فمنها الفتحات الكبيرة والصغيرة والدائرية والمربعة، وذات القوس الواحد أو ثلاثية الأقواس (القمريات ومنها شند قمريات "روحين بجسد واحد" وهي ثنائية ذات دائرة فوقهما، أو شباك قندلون "دست قمريات" وهو ثلاثة شبابيك بثلاث فتحات دائرية فوقهما على شكل مثلث.

في مقطع مبنى الأشرفية يتضح أن الشبكة الدائرية هي الشبكة التحتية التي اعتمدها المصمم في إيجاد المقاسات و النسب. أما الدائرة الحرة والمستقلة فتظهر أحياناً في شبابيك دائرية مستقلة ومكتملة كما في دار الست طنشق 1388م. إن الأبواب عادة عالية ومرتفعة ومفتوحة بقوس ثلاثي أو مزينة بالمقرنصات كما في باب القطانين (انظر شكل رقم 8). كما أن المدخل لم يكن في وسط الواجهة، بل في ركن منها. وكان المهندس يحرص على إبراز الواجهة وما فيها من تجاويف وحنايا عاموديه طويلة قد تفتح فيها نوافذ وقد تنتهي في أعلاها بزخارف معمارية من المقرنصات، كما تتجلى في أشرطة من الزخارف والكتابات وفي "شرفات" مسننة تتوج بها الواجهة.

المباني الدينية وزخارفها في العهد المملوكي في القدس وأهمها كعنصر جديد "الكأس" وهو فوارة (نافورة) شكلها دائري لها وظيفة "الميضأة" تقع أما المسجد الأقصى فتربط بين قبة الصخرة والمسجد الأقصى في الفراغ المعماري الموجود (شكل رقم 11 ).

ولقد ظهرت هذه الفوارة أول ما ظهرت في مسجد أحمد بن طولون بالقاهرة عام 879م. والكأس هو عنصر دائري تماماً. كما استعملت القباب في الجوامع والأضرحة إلى جانب المباني العادية في القدس.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(شكل رقم 11)

أما المآذن وان كانت ذات قاعدة مربعة إلا أنها تتحول بالتدريج صعوداً إلى مضلعة (ثمانية) وتنتهي بالمقطع الدائري كما في المئذنة الصلاحية 1417م.

كما ظهرت المنابر الحجرية في عصر المماليك كمنبر الصيف ؛ وفي هذا المنبر الذي بَني عام 1309م تظهر الدائرة كعنصر أساسي من مكوناته الجمالية: في أقواسه الثلاثية و الأحادية وفي فيته وزخارف البارزة والمسطحة، ومن المنابر الحجرية منبر خانقاه فرج بن برقوق في القاهرة الذي بَني عام 1483م.

6. النتـــائج والتــوصيــات:

يظهر من خلال الطروحات السابقة أن العمارة المقدسية تمتاز بالوحدة و الاستمرارية وهو فن تأثر بعدة قوى أهمها المؤثرات المحيطة المجاورة من أعمال أيوبية و أعمال مملوكية لا سيما في منطقة الحرم المقدسي، كما أن استمرارية الفن الاسلامي و وحدته كان لها أثر في الطابع المقدسي اعتماداً على ما قبله و تطويراً له أنتجت هذه العمارة، فظهرت فيه الصخرة المشرفة و البوائك والتي تظهر الحفاظ على خصائص الفن الأموي الموجود في القصور المنتشرة في فلسطين و الأردن.

و عنصر الدائرة الظاهر في بنائية القبة بما يمثله هذا العنصر من علاقة اتزان و استمرارية انتقل و أثر في الفن المملوكي عمارة و زخرفة و مقرنصات و خط ثلث مما يدل على الاتصال المستمر بين المكان و الانسان و الزمان من خلال الذاكرة و التراث التي تمثلهما العمارة المقدسية، فعنصر الدائرة هو عنصر استخدم في عمارات كثيرة قبل عمارة مدينة القدس، الا أنه قد تم تطويره وتطويعه بما يتلاءم مع المكان والزمان والانسان العربي حتى أصبح عنصراً تراثياً عربياً يتميز بالجمال ولأصالة.

و الشبكة الدائرية كشبكة تحتية منظمة هي تعبير عن صفة النظام الذي يتميز به الفن الاسلامي من عمارة و رقش و هي من أسرار هذا الفن، و قبة الصخرة التي تتميز بكونها رمزاً تراثياً عربياً و اسلامياً تعتبر تمثيلاً صريحاً لأهمية الشبكة و احدى اسرارها.

فالقوى الجغرافية المحيطة، و القوى الكامنة في هندسة العمارة المقدسية و القوى الرمزية التراثية تشكل اطاراً فلسفياً لأهمية هذه العمارة و علاقتها مع الانسان العربي المسلم برمزها الأسمى و هي قبة الصخرة و اثرها في القيم الروحية و النفسية والجمالية مما أعطاها طابعاً معمارياً خاصاً جديراً بالدراسة التفصيلية و كتعبير معماري متميز.

المراجع العربية:

- بهنسي، عفيف،1989، معاني النجوم في الرقش العربي، في، الفنون الاسلامية، أعمال الندوة العالمية المنعقدة في استانبول 1983، دار الفكر، دمشق،ص53-62 .

- بهنسي، عفيف، ؟، العمارة العربية، منشورات المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط، المغرب.

- التل، صفوان، 1983، بناء وزخارف قبة الصخرة في القدس، المؤتمر الدولي الثالث لتاريخ بلاد الشام(فلسطين)، منشورات الجامعة الاردنية وجامعة اليرموك، الاردن، ص 128-140.

  1. الرفاعي، أنور، 1973، تاريخ الفن عند العرب، دار الفكر العربي، دمشق، سوريا.
  2. الشيخ، سليمان، 1987، القدس: الانسان والمكان، مجلة العربي، العدد 339، ص 36-55.

- شيرزاد، شيرين احسان، 1985، مباديء في الفن والعمارة، بغداد، العراق.

- طوقان، فواز، 1979، الحائر، وزارة الثقافة والشباب، عمان، الاردن.

  1. عاشور، سعيد عبد الفتاح،1983، بعض أضواء جديدة على مدينة القدس في عصر سلاطين المماليك، المؤتمر الدولي الثالث لتاريخ بلاد الشام(فلسطين)، منشورات الجامعة الاردنية وجامعة اليرموك، الاردن، ص 127-80.
  2. عبد الرحمن، عفيف، 1983، القدس ومكانتها لدى المسلمين وانعكاس ذلك من خلال كتب التراث، المؤتمر الدولي الثالث لتاريخ بلاد الشام "فلسطين"، المجلد الأول، الجامعة الأردنية، ص 257.

- عكاشة،ثروت، 1984، القيم الجمالية في العمارة الاسلامية، مجلة عالم الفكر، الكويت، ص169-207.

- قاجة،جمعة أحمد عطية، 1985، الفن الاسلامي ومكانته الدولية،الشركة العامة للنشر والتوزيع والاعلان ليبيا.

- قطب، محمد، 1983، منهج الفن الاسلامي، الطبعة السادسة، دار الشروق، القاهرة وبيروت.

- كامل، ماهر، 1975، الجمال والفن، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، مصر.

- محمد حسن، زكي، 1948، فنون الاسلام، النهضة المصرية، القاهرة، مصر.

- مرزوق، محمد عبد العزيز، 1952، الفن المصري الاسلامي، دار المعارف، القاهرة، مصر.

- نجم، رائف، 1983، كنوز القدس، منشورات منظمة المدن العربية ومؤسسة آل البيت ( مآب)، عمان، الاردن.

المراجع الأجنبية:

-Al-Faqih, Salim Sobhi. 1982. Islamic Order in Architectural Space, Ph.D Thesis, University of Strathclyde, U.K.

-Ardalan, N. & Ehtiar, L.1979. The Sense of Unity, University of Chicago Press, Chicago, U.S.A.

-Badean, John S., 1983. The Genius of Arab Civilization, et al, England.

-Boolaky, I.1989. The Combination Of Arabic Principles And Architectonic Forms. In, Islamic Art.In,أعمال الندوة العالمية التي عقدت في استانبول سنة 1983,منشورات دار الفكر ,دمشق.

-Burgoyne, M.H.1987. Mamluk Jerusalem, Scorpion Publishing Ltd, Essex, England.

-El- Said, I., & Parman, A.1976. Geometric Concepts In Islamic, Art World of Islam Festival Publ. Co. Ltd., London.

-Ettinghousen, R. & Graber, O. 1987.The Art & Architecture Of Islam 650-1250, Pengein Book Ltd., Middle Ssex, England.

-Gardner, L.1980. Art Through The Ages, Harcourt Brace Jovanovich, Publishers, Sandiego, N.Y., London.

-Gautier-Vanberchem, M. & Ry, S.1982. Muslem Jerusalem. In, The Work Of Max Van Berchem, Foundation Max Vanberchem, Geneve.

-Graber, O.1983. Architecture & Art.In,The Genius Of Arab Civilization, J.S. Baolaw et al, (editor). Eurabia Publishing Ltd., London, England.

-Gitze, H.1996. Castel Delmonte: Design And Execution, Daidalos, No.59 :52-69.

-Himmo,Basima M. 1995. Geometry Working Out Mumluk Architectural Designs; Case Study: Sabil Qaytbay in Holy Jerusalem. M.sc. Thesis. University of Jordan, Amman, Jordan.

-Maldonado, B.P. 1975. El- Arte Hispanomulman En Su Decoracion Geometrica. Published: InstitHispano- Arabe De Cultura, Madrid.

-Natsheh, Yusuf. S. 1989. The Architecture Of Islamic Jerusalem, Our Duties. In,أعمال الندوة العالمية التي عقدت في استانبول سنة 1983,منشورات دار الفكر ,دمشق: 105-111.

-Papadopoulo, A. 1979. Islam & Muslim Art. Translated From French By: Robert Wolf, Harry N. Abrams, New York.

-Shafii, Farid. 1957. Simple Calyx Ornament in Islamic Art, Cairo.

-Walls, Archibald G. 1984. Arts & the Islamic World, "Al-Sharafiyya: Third Jewel of the Third Shrine of Islam its physical & Geometric Form",

-Yaghan, Mohammad A.1988. Islamic Pattern Generation System Theory & Application. M.Sc.Thesis in Computer Aided Building Design, University of Strathclyde, Glascow.

 

 

 

 

 

 

The Architectural Use Of The Circle In The

Architecture Of The City Of Jerusalem

DR. ALI F. EL-GHUL*

 

Absract :

The use of the circular shape is evident in realizing the idea of the design and in forming the Dome of the Rock, its arches and decorations. It also resembles the Umayyed style that appeared in their other historical buildings, like houses, palaces, castles and mosques. The building of the Dome of the Rock forms an Umayyed museum making it an architectural school for generations to come, with the original artistic building ideas which are clear in the forms of masses and interior space and external space. The use of the different decorative effects with the strong colours and unique openness, indicates elegance in taste and form, adding to the place a visual brilliance of strong sensational and psychological nature. This artistic school confirmed the esthetic architectural characteristics and artistic language, one of them is the personality of the place, and the effect of the spiritual and psychological environment of the architects and artists, which they took and kept the secrets of its amazing beauty. That was the start of the artistic meanings with the original and unique nature. The place witnessed a notable architectural and artistic activity by the Abbasi, Ayyoubi Mamlouki and Ottoman period. Every era had its own style which blended with the building and architectural environment, and affected by the architectural language of the place till our present time. The circular element stands out in the buildings of Jerusalem in general and in the Mamlouki type in specific, therefore the circle formed an independent status in regard to the architectural elements and forms : in the domes and facades, and its openings like the doors, the windows and the balconies, or the three dimensional and plain decorative units.

 

 

 

 

 

 

_______________________________________________________________________

* Assistant Professor at the Architecture Department in the Engineering and Technology College, University of Jordan.